السيد حيدر الآملي
46
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
يخاطب نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، ولم يجعل للآخرة مدّة ينتهى إليها بقاؤها ، فلها البقاء الدّائم . وجعل سقف الجنّة هذا الفلك وهو العرش عند الَّذي لا تتعيّن حركته ولا تتميّز ، محركته دائمة لا تنقضي ، وما من خلق ذكرناه خلق إلَّا وتعلَّق القصد الثّاني منه وجود الإنسان الَّذي هو الخليفة في العالم ، وإنّما قلت : القصد الثّاني ، إذ كان القصد الأوّل معرفة الحقّ وعبادته الَّتي لها خلق العالم كلَّه ، فما « من شيء إلَّا وهو يسبّح بحمده » ، ومعنى القصد الثّاني والأوّل : التعلَّق الإرادي لا حدوث الإرادة ، لأنّ الإرادة للَّه صفة قديمة أزليّة اتصفت بها ذاته ، كسائر صفاته . ولمّا خلق اللَّه هذه الأفلاك والسّموات ، وأوحى في كلّ سماء أمرها ، ورتّب فيها أنوارها وسرجها ، وعمرها بملائكته ، وحرّكها ( اللَّه ) تعالى ، فتحرّكت طائعة للَّه ، آتية إليه طلبا للكمال في العبوديّة الَّتي تليق بها ، لأنّه تعالى دعاها ، ودعا الأرض ، فقال لها وللأرض : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [ سورة فصّلت : 11 ] . لأمر حدّ لهما ، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ سورة فصّلت : 11 ] . فهما آتيان أبدا ، فلا تزالا متحرّكتين ، غير أنّ حركة الأرض خفّيه عندنا وحركتها حول الوسط ، لأنّها أكر ، فأمّا السّماء فأتت طائعة عند أمر اللَّه لها بالإتيان ، وأمّا الأرض فأتت طائعة لمّا علمت نفسها مقهورة ، وأنّه لا بدّ أن يؤتي بها بقوله تعالى : أَوْ كَرْهاً ، فكانت المراد بقوله تعالى : أَوْ كَرْهاً ، فأتت طائعة كرها . فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [ سورة فصّلت : 12 ] . ( خلق الأرض وتقدير أقواتها ) وقد كان خلق الأرض وقدّر فيها أقواتها من أجل المولَّدات ، فجعلها خزانة لأقواتهم ، فكان من تقدير أقواتها وجود الماء والهواء والنّار ، وباقي ذلك من البخارات